فاطمة لا تريد المكياج لكنها بأمس الحاجة للعلاج

* الراوي جعفر مقدادي
شاء القدر لفاطمة أن يكون مسقط رأسها وسط بيئة جذباء حدباء ظلماء لتنمو كوردة جميلة حمراء ملساء ذات ساق أحنف القوام أجرد الشوك أقزم الطول غلب عليه الإلتواء لم ينهض مستقيم القامة فهجاه التقوّس واحدودب حتى بان عليه الإنحناء فأكمل النمو خجولاً في تربة يحفها الشوك من كل الأنحاء وكلما اقبل عليه الجفاف ومال للصُفرة مده الودق ببركات السماء وجذور الشوك تتسابق من حوله طمعاً بإمتصاص قطرات الماء فلا يصل لجذره الضعيف إلا شحيحها فيدوم عليه التقشف ويكُتب له الجفاف رفقة بالجفاء

لتعيش فاطمة فترة نموها بضيم قاهر وظلم ظاهر بعد أن تكالبت عليها أعباء الحياة دون مُعين لها أو ناصر حتى اعطتها الدنيا الدرس العابر وانكشف لها عدوها الغادر من صديقها النادر بعد أن تركها والدها طفلة صغيرة في سن لا تُجيد فيه الزحف بطناً ولا تُدرك الحبو أربعاً فكلما حاولت سقطت أرضاً وأمها تفشّى المرض العضال في جسدها فتصارعت وإياه فصرعها وقضى عليها وأرداها قتيلة بعد أن وصل بها الحال للعجز التام عن تأمين ثمن حبة الدواء التي كانت تتناولها باستمرار كلما تنفس الصبح وعسعس الليل فتركت طفلتها فاطمة لطيمة وحيدة بين اشقائها الذين يحبونها ويعتبرونها زهرة البيت الجميلة وشمعته الوضاءة وقمره المنير ويتسابقون على خدمتها وتوفير سُبل الراحة لها لأنها وصية والدتهم الحنونة تلك الأم التي فارقت الحياة وهي تتلفظ بأنفاسها الآخيرة بكلمات يحفظها العطف ويختلجها الأمر ويعمها الحنان : (فاطمة وصيتي لكم هي في ذمتكم وسأسألكم أمام الله عنها يوم تُبعثون) فحمل الأشقاء جميعاً بأدوار متفاوتة هَم فاطمة المدللة بكل شرعية لأنهم لها العزوة والسند وعندما بلغت سن النضوج وأوج اليرعان وباتت قادرة على تكوين أسرة إنموذجية وبناء بيت يرفد المجتمع بالقوة والعزيمة اختاروا لها بكل سذاجة بالإجماع ولديمومة مصالحهم الشخصية وإشباع رغباتهم الدنيوية بعلاً يُشهد له بأنه قذر الهيبة منبوذ الصحب سيء الجوار كريه الريحة شديد القباحة عظيم الظلم منزوع الاخلاق متناقض الدين وعديم الشرف فقدموها له على طبق من ذهب بهيئة فريسة سهلة وهم يوهمونها من خلال اقنعتهم المزيفة أنهم سندها الصادق ووكيلها الواثق وكفيلها الناطق وإنهم لها من الناصحين وأن سعادتها الحقيقية تكمن في هذا الزواج الذي سيحمل لها لاحقاً الخير والحب وراحة البال مهما الأمد بها طال

فاطمة تثق كل الثقة بأشقائها وكانت ضعيفة الحيلة آن ذاك وقليلة التدبير ولا تملك من أمرها شيئاً فرضخت لرأي اشقائها رغم أنها في الحقيقة غُصبت على بعلها وتزوجته عنفاً وكرهاً فلا حول لديها ولا حلول وليست صاحبة رأي أو قرار لتبدأ الخلافات العائلية تشتعل على اشدها في اللحظات الأولى من اليوم الأول عندما أدركت فاطمة كل الصفات السالفة الذكر عن بعلها واشقاؤها يترقبون حالها عن بُعد ويمدون زوجها بالمعنويات ومعسول الكلام ويوهمونه بأن شقيقتهم ذات عصبية مُفرطة لكنها تملك قلباً كبيراً وفي يوماً ما سترضخ للواقع وستكون له الزوجة الطائعة والمرأة الحسنة والسيدة الودودة ويطلبون منه الصبر عليها وتحمّل أعباءها وأنه لا بد من المشاكل العائلية في كل أسرة مهما احاطت بها السعادة وأن للبيوت أسرار وليس كل الأزواج في سعادة ورخاء

فاطمة أصبحت وحيدة فكل اشقاؤها ابتعدوا عنها وتركوها تحت نيران الظلم والذل والضعف لكنها أبت أن تكون كذلك فقررت التخلص من زوجها ومن ظلمه وجحوفه مهما كلفها الثمن فالعيش بذل ليس من شيمها ولا طبعها ولم تعتد عليه من قبل فحقها تأخذه بيدها إن لم تجد من يساندها فعقدت العزم على التخلص من زوجها وإنهاء ظلمه مهما كانت النتائج باهظة التكاليف

اشقاؤها كانوا على علاقات وطيدة مع زوجها وتعمقت تلك العلاقات مع مرور الزمن واستدانوا منه بعض الأموال فكان يطلب كلما رأى أحدهم أن يحتوي شقيقته في بيته لأنه لم يعد بحاجتها فهي زوجة ناشز وأغراهم بالمال وأغرقهم بالديون التي لا يريد مقابلها إلا التخلص من فاطمة لكنّ فاطمة أبت ذلك وأخبرت زوجها أن البيت الذي يقطناه هو مُلك لها وبإسمها والأولى هو بالخروج من بيتها وحياتها وهي لا تعلم أن اشقاءها قد تنازلوا له عن حصصهم في البيت وقبضوا الثمن سلفاً

وبعد علمها بذلك اخذتها الدهشة وأدركت أنهم في حماقة من الأمر وصارت تقاوم بكل قوة لتدحر زوجها من بيت أبيها لكنه كان ساذجاً وقليل الذمة وعديم الأصل فتطاول عليها وأنهكها بالضرب المبرح وأمام أشقائها الذين لم يحركوا ساكناً بل سانده بعضهم والبعض الآخر وقف ضعيفاً قليل الحيلة ومنهم من تحسّر عليها في قلبه دون أن يفعل شيئاً وذلك اضعف الإيمان وفاطمة تأن أمامهم ولكن عطف وحنان الأخوة كان غائباً في تلك اللحظات لدى اشقاء فاطمة بينما هرع اشقاء زوجها لنجدته ومساندته كل واحد منهم يحمل عصاه بيمناه للقضاء عليها بالضرب المبرح والتخلص منها لكنّ فاطمة كانت ذات ذراعين قويتين فتصدت لتلك الضربات المؤلمة بل وتطاولت على زوجها أمام الجميع وصفعته بكل ما تملك من قوة فخدشت جسده عدة خدوش وهشمته بأظافرها وكسرت وتيرة أنفه وشقت شفتيه فحبسها في الغرفة واغلق عليها الباب ومنع الجميع من رؤيتها أو الدخول عليها ومنع عنها الطعام والشراب والدواء بعد أن كسر قدمها واجهش على كليتيها بالضرب المُبرح دون رحمة

جلست فاطمة وحيدة في الغرفة بعيدة عن الجميع دون أن يستطيع أحداً مساعدتها وزوجها يتلاعب في كافة أرجاء المنزل يتلذذ بالطعام والشراب ويتلقى العلاجات اللازمة لكنه في الحقيقة شعر بالضعف أمام فاطمة وأدرك أن قوته قد خرت أمامها وأن عزيمته قد انهارت وأنه أصيب بالإهانة والذل أمام القريب والغريب وأدرك أن فتح الباب عليها سيزيد من قوتها فأغلق باب غرفتها بإحكام شديد وشرطه الوحيد إن أرادت الخروج من الغرفة هو الذهاب للعيش عند الشقيق الذي ترغب لكنها كانت عنيدة الطبع وقاسية الرد وعاقدة العزم على أن يترك هو المنزل ويذهب إلى حيث يُريد وهو في الواقع أشد منها عناداً وأكثر جأشاً فلبثت فاطمة في الغرفة دون ماء وغذاء وكهرباء ودواء لتجلس بين جدران غرفتها حائرة تنتظر شقيقاً يقف لجوارها فينطق كلمة حق تجاهها لكنهم يرغدون مع ازواجهم وأبنائهم في متعة ولذة ويتفسحون هنا وهناك ونسوا أو تناسوا أمر فاطمة وشأنها بل ويريدون منها أن تكون طائعة لذلك الزوج العاصي

فاطمة عاشت حياة العذاب منذ الولادة وما زالت تعاني ولا تجد من يساندها فالجميع يبتعد عنها بل ويضع عليها اللوم لكن كليتيها في صدد الشفاء رغم عدمية الدواء وكسر قدمها على وشك الجبر وقد تنهض بعون الله وتكسر باب الغرفة وتخرج على زوجها الظالم وتنهال عليه بالضرب فلعله يكون حينها عجوزاً قد كبر في السن فتقّل حيلته وتضعف قوته فتقضي عليه بأمر الله وتتخلص من ظلمه وكيده وجحوفه وتعيش في بيتها سعيدة وهنيئة كما يعيش اشقاؤها

أبا فاطمة وأمها انجباها للتعب والعناء فعاشت تحت الظلم والضرب ولكنها تغنت بكرامتها وعزتها وقوتها وصدقت الوعد مع ربها وحاربت بكل قوة ذلك الزوج العاصي الظالم 

اشقاؤها باعوها بثمن بخس 

مسكينة فاطمة ولكنها ستبقى عزيزة بحجابها وشموخها وكبريائها

فسلام على فاطمة إلى يوم يبعثون


تعليقات

المشاركات الشائعة