اللهم هل بلغت .. اللهم فاشهد


اللهم هل بلغت ، اللهم فاشهد

الدكتور أحمد البقاعي

في أول أسبوع بعد طلاقها لم تشعر بالندم أو الملل مطلقا ، فقد كانت بطلة المشهد ، وكانت أمها وجاراتها وقريباتها يجتمعن كلّ ليلة ، فيسمعن حديثها الممتع ، وكيف كان زوجها يظلمها ويسومُها سوءَ العذاب : عُمري ما شفت منه يوم مسعد ، يبنت الحلال بروحح عالدوام ما بخلي معي قرش – وتزيد في التأليف ما تشاء - هاي غير المسبات والنكد اليومي ، خليها على الله ...........
وفي مشهد تراجيدي تقاطعها الأم بصوت تخنقه العبره الله : " لا يوفقه ، يقصف عمره ، ليش ما قلتي من زمان والله ما تظلي عنده دقيقة "
انداري يمّه كل يوم كنت اقول لحالي يا بنت اصبري ، بكره بصير احسن ، بكره بتغير ، بس بدون فايده " فالج لا تعالج "

بعد ذلك انفضّ الجمع من حولها وكلّ رجع إلى حياته وأعماله ، وأصبحت (س) نسياً منسيّا بالنسبة لهنّ، أدركت أنّها لم تكن سوى حكواتي أو مكان لقضاء التسلية وسماع الأخبار ، خاصة اللواتي يحببن الأخبار المدهشة والطازجة .
تسرّب الملل إلى نفسها شيئا فشيئا ، بدأت تشعر أنها حِملا ثقيلا على الناس :
ابنها عبوده الّي كان مدلل لم يَعُد مدللا ، صار يتبهدل على الطالعة والنازلة
وحموده الازعر المشاكس ، لم يتحمل مشاكسته احد من العائلة ، بل صار يتعرض لصفعات على وجهه وأماكن أخرى ، بسبب أعمال القردنة والسعدنه التي يقوم بها !

بدأت تستيقظ على ما يجري معها ، تحاول أن تتعايش مع الواقع الجديد ، لكنها لم تستطع ، زادت الأحمال والأثقال ؛ فهي أمّ لطفلين، وتكاليف المدرسة والعلاج والاهتمام بهم ليس سهلا ، كان أخوها يتكفل بذلك ، لكنه تعب وأصابه الملل ، وصار يتذرع بأشياء كثيرة ، حتى انسحب من المشهد بهدوء .

حاولت البحث عن عمل خروجا من هذا الجو الكئيب ، لعلها تنفق على نفسها وأولادها وتتعرف على أناس جدد ، بعدَ جهد وعناء من البحث المستمر ، حصلت على عمل : 150 دينار شهريا والدوام 12 ساعة يوميا ! لم تستطع المواصلة أكثر من ثلاثة أيام .

وقعت في حيص بيص ، الحالة النفسية تزداد سوءا ، الأولاد يحتاجون إلى عناية خاصة ،الإخوة والأخوات ، كلٌّ لدية ما يكفيه من هموم الحياة وضجيجها ، بالعربي : ( ما حدا فاضيلها)
اقترحت أمها أن تأخذها على شيخ يقرا عليها ؛ فقد تكون مسحورة أو محسودة ؟!
لم تُجدِ القراءة نفعا ، لم تكن مسحورة ولا محسودة بل كانت عنيدة ، سمّاعة لكلام أمها وصويحباتها .
مازالت حالتها تزداد سوءا ، اضطرت لمراجعة الطب النفسي ..... وصف لها الطبيب مجموعة من مضادات الاكتئاب ، اموكسابين واخواتها ، لكن تلك العقاقير لم تفلح أيضاً .

كانت أمها تقول لها بعد كل خلاف زوجي : اتركيه ؛ والله لجوزك احسن من ابوه ، انت اصلا مش من مجاويزه ، والله لتوخظي سيد سيدُه هالهامل .
تقدّم لها عدد من العرسان على النحو الآتي :
ختيار بلغ من العمر ثلاثا وسبعين سنة ويمتلك 20 دونما من الأرض .
شاب متزوج ، أب لأربعة أولاد وزوجته حردانه عند اهلها .
متزوج زوجتين ويريدها الثالثة ، ولكنه اشترط عليها عدم اصطحاب أطفالها ؟؟؟؟
صرخت في وجه أمها : " هاظ العريس الي كنتي تحكيلي عنّه ؟؟ وينهم العرسان وينهم "
الأم تحار جواباً ، ثم ترد بصوت خافت : " هو العرسان بيدي يُمّه ؟ منين اجيب عرسان هاظ الموجود الله لا يوفقه ابن هالحرام ولّ ، احسن شي روحي ارمي الاولاد عليه وتعالي" . صارت هذه الفكره تُعرض عليها من قِبَل الأب والإخوة بحجة الضغط على طليقها ، وهي في حالة من الأسى والشقاااء لا يعلمها الا الله تعالى .

في خلافها الأخير مع زوجة أخيها قالت لها : " لو فيكي خير ما طلقك جوزك "
لم تكن على استعداد أن تسمع تلك الجملة مرة أخرى ، لقد طفح الكيل وامتلأ الإناء ويجب أن تجد حلا لهذه الأزمة .

ذهبت بها الأفكار كل مذهب ، لا بد من الخروج من عنق الزجاجة ، لم تعد قادرة على مخالطة الناس ، لا سيما حفلات العرس والخطوبة ، فالجميع يحضرها إلا هي ، وذلك بسبب مشاكسة أولادها ونظرة الناس لها ، ثم صنعت جدارا عازلا بينها وبين الناس ، وأخيرا قررت حلّ المشكلة على طريقتها الخاصة ، والاتصال بطليقها بعد أن أدركت أنّه أرحم بها وأرأف من الجميع ، قلبت الجوال عدة مرات ، ترددت كثيرا قبل الاتصال به ، لا يزال اسمه ورقمه على جوالها ، وبعد تردد وحيرة كبيرين ، ضغطت على زر الاتصال ......
المجنونة تتصل بك ...........
نعم مين معي ..........
احمم ... ... شو مش عارفني ؟؟؟؟؟
عارفك بس انتِ وامك ما خليتن مجال للصلح ، عكل حال انا تزوجت ورجاءً لا ترني مرة ثانية ...... باي

خيبة أمل ..... أظلمت الدنيا بوجهها .............
مضى أسبوعان لا تزال ترزح تحت ضغط الحياة الكئيبة ........
رنت مرة أخرى .... أجابها الهاتف : " بناءً على طلب المشترك لقد تم إيقاف جميع المكالمات ........
ضاقت الأرض بما رحبت ........ رحماك يا الله رحماك

لهذا كله فقد جاءت آيات المخارج الثلاث كلّها في سورة الطلاق ، وذلك لما يتركه الطلاق من آثار عميقة على الزوج والزوجة والأطفال حيث قال تعالى :
" وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ " الطلاق 3
"وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا " الطلاق 4
" وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا " الطلاق5

لقد استيقظت متأخرة وفهمت الدرس جيدا ، عرفت أنّ الزوج مهما قسا عليها فهو أرحم من الجميع .
عرفت أنّها مهما تحملت منه ، فهو أخف من حمل الطلاق .
عرفت أنّه مهما شتمها فهو أخف من كلمة مطلقة ، التي رافقتها للأبد ، وسط مجتمع لا يرحم .
عرفت أنّ ورقة الطلاق لا تعني انتهاء المشاكل ، بل بداية لنوع آخر من الهموم والأنكاد كانت أمها تَعدها وعودا يسيل لها اللعاب ، (والله لجوّزك احسن من ابوه ) لكن وعودها قد ذهبت أدراج الرياح ،
عرفت أنّ الخاسر الأول في تلك المعركة هم أطفالها ، وهي الخاسر الثاني ، لم يشاركها في خسارتها أحد البتّة ، لقد طحنها الزمان بكَلكَله .
تلك هي الحقيقة المُرّة ...........

إنّ نِسَب الطلاق مخيفة ومرعبة في الآونة الأخيرة ، فقد تجاوزت الخمسين بالمئة ، وهي تنذر بخطر داهم وشر مستطير ، وما سطّرتُه الآن ، هو أمانة من إحدى المطلقات ، أن أوصل رسالتها لمن تُسوّل لها نفسها بالطلاق  ، ولو كان الزوج علقماً ، كما قال صلى الله عليه وسلم " هو جنتك ونارُك " . 
سمعتُها بأذني ودبّجتُها بقلمي  .

لعَمري لقد نبّهتُ من كان نائماً ........ وأسمَعَت كلماتي من له أذنانِ 
اللهم هل بلغت ، اللهم فاشهد .

وخطّها : عبدُ ربّه وأسيرُ ذنبه 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مدعوون للمقابلة الشخصية لغايات التعيين بالتربية