شراقي الخريف .. بين الشؤم والتفاؤل

كتب ناصر الشريدة

عندما تهب شراقي الخريف يستبشر المزارعون الاردنيون خيرا بقدوم المطر ، وهذه ظاهرة طبيعية تكرر كل عام ، لكنها رغم ارتفاع درجة حرارة هبوب رياحها وجفافها وما تحمله من اغبرة ومخلفات اشياء كانت في طريقها تبقى في نظرهم وذاكرتهم الزراعية حالة جوية مقلقة لديهم ولو جاءت بحبات المطر .

الاردن مثل باقي دول الجوار ، تسودها حالة من عدم الاستقرار الجوي تتخللها شراقي الخريف ، لكنها في هذه الايام ترافقت مع وباء كورونا المخيف بثقله التشاؤمي على النفوس البشرية .

اذن ما العلاقة القائمة بين الشراقي كمثل شعبي منفر للحس والوجدان البشري ، وبين الشراقي كظاهرة بيئية تنشط مطلع كل فصل خريف بالتزامن مع موسم قطاف ثمار الزيتون .

ويقول المزارع في وادي الريان جنوب لواء الكورة في شمال الاردن ، مشهور بني مفرج ، ان شراقي الخريف مرعبة لسرعتها وقوتها ، وتشعرك بان الدنيا قايمة قاعدة ، وان طول صفير الرياح ا وحركة الاشياء التي تتقاذفها تلك الرياح وتطير بها الى غير رجعة امر مخيف حتى ان الشجر والحجر يخشى من اثارها .

اضيفت "ظاهرة الشراقي" ، عبر الزمن الماضي على مفاهيم مجتمعية متوارثة تشي بالامر المخيف والفال السيء معا كما يقول " ابو فؤاد المقدادي " ، حيث اسقطها بعض الناس على ما هو سيء من اخبار مزعجة وعدم رتابة المكان وفوضى الحياة اليومية ، قائلين فلان مثل " الشراقي " اي لا يأتي الا بالخبر السيء او ان منزله غير مرتب في كل زاوية غرض ما ، لكن يبقى الامل الوحيد بتساق حبات المطر واعادة البهجة الى النفوس .

اذن "مثل الشراقي" ، مصطلح بيئي شعبي كان يتناقله المزارعون والمواطنين في الاردن وبلاد الشام ، لوصف امر غير محبب لهم او اسقاطها على اخبار تشاؤمية ، وذات الوقت على بركة المطر ، سيما ان رياح الشراقي تحمل في جعبتها كل ما تجده في طريقها من مخلفات بيئية حتى تقذفها في النهاية في وجوه الاخرين وتكدر نفسيتهم واحوالهم ، لكنها تحمل في افقها بلورات المطر من خلف الغيوم المتراكمة كالدرج .

ومع هطول أولى حبات المطر التي يحبها المزارعون في الارياف الاردنية ايذانا بموسم زراعي مبكر ، تفوح منه رائحة العام الزراعي الوفير ، حيث يعتبرون "شراقي الخريف" الخيط الذي يفصل الصيف عن الخريف ، وتأتي هذه الشراقي مع أواخر أيلول وبداية تشرين اول .

وتقول المهندسة الزراعية ازدهار السرحان التي تعمل في زارة الزراعة الاردنية ، ان الرياح القوية تلعب دورا كبيرا في تشكل ظواهر جوية لها تأثيرها في حياة الكائنات الحية ومنها النباتات ، حيث تؤثر على ميكانيكية وفسيولوجية النباتات وتؤدي الى اضرار غير محسوبة ، رغم ان الرياح تعد من العناصر المهمة للحياة النباتية .

وتعددت مصطلحات " الشراقي " حسب دول بلاد الشام ، فمنها شراقي الخريف واخرى شراقي الصليب ، وكلها علامات تشير الى قرب هطول الامطار وازالة الغبار من على الاشجار والكائنات الحية ، بحيث يغتسل الشجر والحجر وتعود الى نظارتها وجمالها بعد اشهر من الصيف الحارق خاصة في شهري تموز وآب .

وحسب مهتمون بالشأن البيئي ، ان الناس تعتقد أنه اذا بدأت "الشرقية" قبل النهار فإنها سرعان ما تتلاشى ، لكن إذا بدأت بعد طلوع الشمس فيستمر تأثيرها ثلاثة أيام يرافقها تشاؤم الناس ، لأنها تجفف وجههم وتسبب ظهور القشور في جلد اليدين والقدمين ، ويقولون "سنة الشراقي بتدور ما بتلاقي" أي أنك تبحث عن الخير فيها فلا تجده.

ويؤكد بيئيون ، ان " شراقي الخريف " ظاهرة جوية مميزة تتعرض لها الأردن ودول الجوار ، عبر هبوب الرياح من الواجهة الشرقية او الجنوبية الشرقية ، من جهة الصحراء ، فتكون حارة وجافة ولكنها تنذر بالمطر .

وتوضح الباحثة ناديا حسن مصطفى ، ان الامثال الشعبية البيئية ، هي تراكم خبرات مجتمعية فلاحية زادت من الوعي والادراك عند الفلاحين في كيفية التأقلم والتعامل مع الظواهر الجوية ، ومنها " شراقي الخريف " ، وبالتالي أنتجت ثقافة بيئية خزنتها الذاكرة المجتمعية الشعبية بالامثال ، مثل " إن شفت الغيوم درج بشر اهلك بالفرج ".

ويشير الباحث البيئي الفلسطيني خالد ابو علي ، ان الناس ترى في "شراقي الخريف" بداية المطر بـ(شتوة) مبكرة يسمونها شتوة المساطيح .

ويضيف ، ان الناس تنتظر رحمة الله بمطر وفير قريب بالتزامن مع شراقي الخريف تجعل كل ما على الارض يستحق الحياة ، بعد مرور اجواء حارة وجافة طيلة اشهر الصيف الماضي .