مقال

لماذا يا وطني؟

*النائب السابق رلى الحروب

طالعت بألم بيان القاضي لؤي عبيدات بشأن إحالته إلى التقاعد المبكر، ولأنني أعرف أبا جمال، وأعرف شجاعته وعلمه وفكره واستقلاليته وكفاءته ونزاهته واستقامته وقوة شكيمته واجتهاده ومتانة أخلاقه وسمو صفاته، فقد قفزت في ذهني عشرات الأسئلة: لماذا؟ وكيف؟ وهل يضحي القضاء بأبنائه الشرفاء المبدعين فيبعدهم عن قاعاته وهم في ذروة عطائهم؟
ولماذا يا وطني يبقى في كل المواقع من هم أقل كفاءة ونزاهة واستقلالا، ويواصلون رحلة الارتقاء في المناصب والمكاسب، في حين يغادر الشرفاء الأكفياء أصحاب الفكر المستقل المستنير مواقعهم التي لا تضيق إلا بهم؟
القاضي لؤي عبيدات كان نموذجا فريدا عز نظيره، فهو لم يكن مجرد قاض، بل كان ابن وطن بكل ما في هذه الكلمة من معنى، يألم لألم الوطن، ويسعى بكل ما أوتي من جهد كي لا يذرف هذا الوطن دمعة، ويقدم كل ما يملك رخيصا ليراه يناطح السحاب، مع أن جيوبه خاوية ورصيده في البنك لا يتجاوز بضع مئات، ويسكن شقة متواضعة ويشقى من أجل توفير حياة كريمة تليق بقاض، ويواصل رحلته في تطوير ذاته، فيدرس الماجستير ويسعى الى الدكتوراه ويقتر على ذاته وعلى أسرته كي يوسع آفاقه في علم القانون، ويطور أحكامه، فالروح العظيمة لا تقنع بنصيبها من العلم والمعرفة، وتواصل السعي إلى تحصيل المزيد، وتشعر أنها مقصرة رغم كل اجتهادها.
لماذا يا وطني؟
أبو جمال أعطاك الكثير، وكان بوسعه أن يعطيك أكثر، ولكنك استكثرت عطاءه، هذا العطاء النقي الصادق الصادر من ذات نقية صادقة، تتحدر من أجمل بقعة في الأردن، ومن أرقى عشيرة، وأصدق أسرة، فالأب والأم كلاهما مثال في النزاهة والشجاعة، والثمرة الناضجة لم تقع بعيدا عن تلك الشجرة؟
لماذا يا وطني يستقل فيك اللصوص والفاسدون وضعيفو الضمائر أفخم السيارات ويسكنون أغلى القصور ويسافرون في السنة عشر مرات ويأكلون اللحم البلدي والكافيار ويتعالجون في أفضل المستشفيات، في حين يركب أمثال هذا القاضي النزيه سيارة متواضعة يمضي ثلث أيام السنة في تصليحها، ولكنه مع ذلك، لا يطلب لنفسه شيئا، بل يعمل من أجل تعديل حال كل القضاة على اختلاف درجاتهم، ولسان حاله يقول : لا أريد أن أحصل على ما لا يحصل عليه زملائي، وعليه، فإنني سأناضل كي نحصل جميعا على تأمين صحي يليق بنا وراتب يسعفنا وسيارة معفاة من الجمارك أسوة بغيرنا ممن لا يفوقوننا فضلا ولا مكانة ولا يبزوننا عطاء وبذلا، وسأواصل النضال من أجل قضاء مستقل، حتى لو حاربته كل مراكز الفساد في وطني!!!
آه يا وطني! أغلقت أبوابك في وجه من ينظرون إليك بقلوبهم المثقوبة، وشرعت نوافذك وبواباتك وأرخيت نواصيك وأعتابك لمن يطلون عليك من ثقب الباب، فيكثرون الصراخ عندك ويبيضون في حساباتهم الآمنة في ملاذاتهم الضريبية!!
لا أعرف هل أبكي عليك يا وطني، يا من ضقت باحتمال الشرفاء منا في كل المواقع، فأقصيتهم وسجنتهم وشوهتهم وأفشلتهم، أم أبكي علينا، ونحن نودع كل يوم بطلا، ونستقبل عشرات الأفاقين!!
أبا جمال...لا ترحل عن بلاد نحن فيها، وإن جار الزمان على الفقير...
لم تسعك ساحات القضاء، ولكن ساحات المحاماة تفتح لك ذراعيها مشتاقة...
ولعل الأوان قد آن لكي نستفيد من علمك، فقد كان وجودك في القضاء يحول بيننا وبينك، ولكنك اليوم حر كطائر العندليب، وستصدح بنغمات كان مركزك كقاض يمنعك من أن تصدح بها...
ربما خسرت أنت، ولكننا كسبناك نحن...نحن الشعب المقهور المسحوق المتعطش إلى روحك المناضلة وكلماتك الرنانة القوية....كانت حبيسة القاعات المغلقة، وآن لها اليوم أن تلامس عنان السماء...
شكرا لأنهم أطلقوك من محبسك....أرادوا لك المضرة، ولكنهم لم يعرفوا أن قضاء الله أرحم من قضائهم!!!
أبا جمال.. أهلا بك بيننا ...إن ضاقت بك الدنيا نحملك على أكتافنا....
اختك رلى الحروب