مواطنون : كورونا نبشت مواجعنا

كتب ناصر الشريدة

اثار مشهد صادم لحادث سير بين ثماني مركبات في جنوب عمان ، اعصاب الاردنيين ، مخلفا اربعة وفيات لشباب بعمر الورد واصابة تسعة عشرة اصابة ، بعد ايام من قرار الحكومة بزيادة ساعات رفع حظر التجول .

وما ان قررت الحكومة زيادة ساعات رفع حظر التجول في ارجاء الاردن ، حتى عاد مسلسل حوادث السير المفجع على الشوارع وسط جدلية على من تقع المسؤولية ، بعد ان تم تسجيل عدد وفيات في اسبوع واحد يقارب عدد المتوفين بجائحة كورونا خلال ثلاثة شهور ماضية .

وقبل ثلاثة عقود من الزمان لم يكن الاردنيون يفجعون بضحايا السير ، ولا حتى بكافة انواع الجرائم ، فكانت حياتهم هادئة لا تعرف ضجيج المركبات المزدحمة بالشوارع والاحياء والبلدات ، ينامون مبكرا ويصحون مع بزوغ الفجر وانسدال خيوط الشمس ، كل همهم الامن والامان والعيش بسلام .

الجميل في ظل جائحة كورونا ، جرب جيل اليوم من الشباب عيشة ابائهم قبل ثلاثة عقود ، حيث اعتادوا العودة الى منازلهم مع غروب الشمس ، والخروج في صباح اليوم التالي ، دون وقوع حوادث سير وجرائم مختلفة تعكر صفوهم ، ومع ذلك لا ينامون باكرا ولا يصحون باكرا بفضل العم غوجل وتطبيقاته وشبكات التواصل الاجتماعي وفضاءها الرحب .

وبعد فرض الحكومة الاردنية مزيد من القيود وحظر التجول على المواطنين بفعل جائحة كورونا قرابة الشهرين ونيف ، يدور حديث في اروقة صناع القرار والمواطنين حول جدوى هذه القيود بالحد من حوادث السير والجرائم المختلفة ، وهل خفضت تلك الاجراءات من نسب وقوع الجنح والجرائم منذ بداية العام الى اليوم ؟ .

ويقول المواطن معتصم الرواشدة ، خلال جائحة كورونا فرضت الحكومة قيودا على الانتقال والحركة ، ومنع الازدحام والتجمع في الاسواق ووسائط النقل والساحات ودور العبادة والصالات والمقاهي والملاعب ودور العرض والعمل عن بُعد ، هذه الاوقات كانت سيئة بالنسبة للمجرمين وضعاف النفوس ، للقيام بعمليات السطو والسرقات واقتحام البيوت .

بينت احصائية الجرائم المرتكبة في الاردن خلال خمس سنوات من (2014 إلى 2018)، بنوعيها الجنحوي والجنائي ، وقوع (128) ألف جريمة ، فيما يتوقع مراقبون الى انخفاض عدد الجرائم خلال عام (2020م) ، اذا بقي هاجس كورونا ماثلا ولم يتوفر لقاح له يعيد الحياة الى طبيعتها .

ويقول عضو مجلس امني المختار محمد سعيد العمري ، ان التزام المواطنين بمنازلهم بموجب ساعات حظر التجول ، اخفى حوادث الليل وسهرات قيس وليلى والمشاحنات بين الجيران والتسكع وسط ظلام الليل والجلوس على قارعة الشوارع ، ويمكن القول انه خفض عدد الحوادث بشكل عام وجعلها في ادنى مستوياتها قياسا بالاعوام الماضية .

فرضت اجراءات حظر التجول انخفاظا كبيرا في حوادث السير في النصف الاول من العام الحالي ، بعد ان اشارت إدارة السير في الامن العام ، عن تسجيل (1346) حادث سير اوقع (34) حالة وفاة خلال الشهر الاول من العام (2020م) ، فيما كان المعدل اليومي بالعام الماضي(2019) ، (400) حادث سير يوميا في كافة انحاء الاردن .

ولعبت اجراءات حظر التجول والانتقال بين المحافظات الاردنية الا بتصريح مرور ، دورا في انخفاض قضايا المخدرات ، فبعد ان لاحظت إدارة مكافحة المخدرات ارتفاعا في قضايا المخدرات في الاردن بداية العام الحالي (2020م) بتسجيل (2500) قضية ضبط فيها نحو (3600) شخص .

رغم افراج الحكومة عن الاف النزلاء بالسجون تخوفا من انتشار فايروس كورونا ، تشير الاحصائيات الجرمية خلال النصف الاول من العام الحالي ، الى انخفاض كبير في جرائم القتل من غير قصد ، السرقة الجنحوية ، الشروع بالسرقة ، الاحتيال ، سرقة السيارات ، جرائم البغاء ، الزنا ، استثمار الوظيفة ، المقاومة والاعتداء على الموظفين ، الانتحار ، المقامرة ، مخالفة قانون الاثار، إطلاق العيارات النارية ، والشروع بالقتل ، والقتل مع سبق الإصرار (العمد) ، القتل القصد ، الضرب المفضي إلى الموت ، الايذاء البليغ ، الاغتصاب ، هتك العرض ، الخطف ، الاجهاض ، تزييف النقد ، التزوير الجنائي ، السرقة الجنائية ، الاتفاق الجنائي ، الرشوة ، الاختلاس .

ويقول مختصون في علم الاجتماع ، ان التزام الناس في بيوتهم خلال حظر التجول وامتثالهم للتباعد الجسدي جمد كثير من المشاكل والجرائم المجتمعية ، لغياب الاستفزاز الوجداني الشعبي والتشتت الاسري ونظرية الصدفة في علم الجريمة والخوف من جائحة كورونا وزيادة معاني التسامح بين الناس .

ويعتقد مواطنون ان تقليص ساعات رفع الحظر اليومي لتبدأ من الساعة العاشرة ليلا الى السادسة صباحا وتطبيق نظام الفردي والزوجي للمركبات ، سوف تلعب دورا في الحد من حوادث السير والجرائم المختلفة ، خاصة ان اكساب الابدان الراحة المطلوبة يفضي الى جسم سليم واعصاب هادئة في الحركة والتصرف .

ويؤكد مراقبون ، ان فعالية اجراءات حظر التجول ، اتاحت مساحة اكبر للاجهزة الرسمية والامنية لمواجهة وباء كورونا ، بعد ان ضعفت كثير من السلوكيات المجتمعية ، التي كانت تؤرق المجتمعات من تعاطي المخدرات والسرقات والايذاء الجسدي والمشاجرات خلال سواد الليل ، الذي تنتشر فيه الشياطين كما يقول الاباء وتدس وساوسها في نفوس الهائمين والمتسكعين في شجون خيالية وازقات مزوية .

ويقول المواطن احمد الرشدان ، ان من فوائد تطبيق حظر التجول ، اصبحت حياتنا الاجتماعية والسلوكية اكثر التزاما وانضباطا واقل مشاكل ، ولم يعد الوقت مكانا للمشاحنات والاختباء وراء الاسماء المشبوهه على شبكات التواصل الاجتماعي ، فالجميع اصبح امام تحدي جديد وهو التكيف مع الواقع في ظل كورونا وما بعدها ولكن بدون جرائم .

خلال الشهور الثلاثة الماضية تكيف الاردنيون مع واقعهم المعاش بفعل قانون الدفاع ، دون حوادث سير وجرائم مختلفة تثير الرأي العام ، ولكن بعد ان فتحت الحكومة القطاعات واختصرت ساعات الحظر بالليل الدامس ، فهل تزرع منظومة اجتماعية جديدة تشابه ما ساد قبل ثلاثة عقود بعيدا عن اوامر الدفاع ؟