الصحافة الورقية بين متعة الماضي ومعاناة الحاضر

ناصر الشريدة
 

اثار توقف صدور الصحف الورقية في الساحة الاردنية بفعل جائحة كورونا التزاما بأمر الدفاع رقم (1) ، تكهنات بقرب انتهاء صدورها الى غير رجعة ، وتساؤلات حول جدوى الاكتفاء بنسخة الـ(PDF) لخلافتها في ظل انتشار المواقع الإلكترونية ، وبين حفيظة العاملين فيها الى اين المفر .

فلماذا تُثير مسألة توقف صدور الصحف الورقية كل هذه الضجة والاهتمام والتساؤلات والتكهنات والغضب خاصة في هذه الايام ، رغم ان تعثرها بدأ يلوح بالافق منذ عدة اعوام ؟.

ورفض كتاب وصحفيون ما يلوح بالافق من تنفيذ مشروع تجفيف موارد الصحف الورقية وانهاء وجودها على الساحة الصحفية الاردنية ، بذريعة التقدم التكنولوجي المتسارع ، وعصر الورقي قد ولى ، وارتفاع مدخلات الانتاج ، وعجز تلك المؤسسات من الاستمرار وتأمين مواردها المالية لتغطية نفقاتها ، ونقلها لفيروس كورونا ، واحلال مفهوم المواطن الاعلامي بديلا عن المهنية الصحفية في سابقة غير محسوبة منذ عشرات الاعوام .

واعتببروا ، ان الصحف الورقية سنامة لا تجف ولا تضمحل مع تقلب الاحوال والظروف ، وان ما تعيشه اليوم "شدة وبتزول" ، وسوف ترجع الى القها من جديد وترسم فرحة لا تتسعها الافاق بفضل جيلا من الشباب المجددين ، لانها كما يقول المثل الشعبي ، " اللي ما اله قديم ما اله جديد " .

ويقول المختار احمد كريم الرشدان من بلدة ديرابي سعيد بلواء الكورة في شمال الاردن ، لم اتوقع يوما توقف الصحف الورقية عن الصدور ، لما لها من محبة وعشق قديم لا يذوب بالتقادم ، فكان حب المواطنين لمطالعة الصحف الورقية مثل حبهم لانفسهم ، لا يستغنون عن قراءتها من اول حرف الى نهاية حرف ، وسط شعور مفعم بالحيوية والثقافة ، حتى ان الجريدة الواحدة ذات صفحات بعدد اصابع اليد ، كانت تتداول بين المواطنين وتلف على معظم منازل الحي .

واللافت في زمن الصحف الورقية حسب وصف اباء ، ان ابناءهم كانوا ينتظرون قدومهم بعد نهاية دوام كل يوم ، من اجل الحصول على فرصة اخذ الجريدة وقراءتها ، كأنها هدية او سلعة شكلت قصة عشق ابدي عندهم ، وهذا انعكس بدوره على تصميمهم في مواصلة تحصيلهم العلمي من خلال نماذج منشورة كانت تدب فيهم نشوة تحقيق اهدافهم وبلوغ غاياتهم في احلى التخصصات والمناصب .

ويتذكر الاردنيون الساعات والايام الجميلة التي كانوا يقضونها بانتظار صدور الصحف الورقية في اليوم التالي ، وما تحمله من اخبار واعلانات وخدمات ومواضيع مختلفة ، مثل نتائج التوجيهي والقبول الجامعي ولوائح اسعار الخضار والفواكه ، وقرارات حكومية جديدة ، واعلانات والكلمات المقاطعة ، ونشاطات ذات علاقة بواقعهم ، والكثير من المواضيع ، حيث كانوا يعتبرونها مصدر صادق للخبر لا مجال للشك فيه ، علاوة على انها افضل للبصر وتقوي الذاكرة .

ويُعبر الستيني احمد مساعدة "ابو الرائد " من بلدة كفرالماء ، ان الصحافة الورقية ولغاية الان كانت تمثل توأمة بيننا وبينها ، فاذا لم يطالعها القراء في كل منزل رغم محدودية اعدادها في فترات ما ، لا يشعرون ان عجلة اليوم ذات طعم ونكهة ، واكثر من ذلك اذا لم يرو حبرها على رؤوس اصابعهم فلا يهنأوون ولا يتفاخرون فيما بينهم انهم قرأوا الجريدة اليوم .

ويضيف " ابو الرائد"، يا لها من جريدة عظيمة ذات اخبار وتحليلات وصور بمستوى عال وراقي ، لا تنشر الا ما هو مفيد وحقيقي ، فحرصنا على شرائها باستمرار والاستمتاع باخبارها جزء من حياتنا اليومية ، باعتبارها بوصلتنا الحقيقة في معرفة ما يدور حولنا دون لبس او مهادنة ، فالخبر كان ذو مصداقية ومقدس ، وهذا الامر انتقل الى ابنائنا الذين كانوا يتسابقون ويتقاسمون ويوزعون صفحاتها بينهم لمطالعة كل خبر ومنشور .

ويحكي الحاج حابس فلاح الشريدة عن حبه الشديد لقراءة الجريدة يوميا منذ ستينيات القرن الماضي الى يوم توقفها بمنتصف شهر آذار الماضي ، حيث كان يقرأ الجريدة كاملة دون ان يقفز عن اي سطر او شرح صورة او اسم كاتب او القائمين على النشر ، وكان يحفظ اسماءهم عن ظهر قلب ، ما خلق علاقة فكرية بينه وبينهم دون ان يعرفهم شخصيا ، لغزارة ما كانوا يُكتبون باحرف من نور وبكل مهنية ومسؤولية تُرفع لها القبعات .

 ويضيف الشريدة ، انه كان يسهر الليل الى ان يقرأ كل حرف في الجريدة التي يتجاوز عدد صفحاتها في بعض ايام زمان سبعين صفحة ، من باب انها كتاب جامع لام لا يترك شاردة ولا واردة تخص الشأن المحلي والعربي والدولي الا طرقتها ، وكان ينظر اليها على انها مصدر تنويري ومعرفي صادق الكلمة والصورة .

ويأبى كثير من قراء الصحف الورقية ان تغيب محبوبتهم عنهم اكثر من ذلك ، بحكم انهم لا يستمتعون باي اخبار ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا اطلاقا ، رغم عيشهم بعصر الحداثة والتكنولوجيا ، ويصرون على شرائها لشغفهم وحبهم في قراءتها ، وان غيابها القسري اوجع قلوبهم .  

فالصحافة الورقية ، تركت بصمة ونكهة في المجتمعات الاردنية ، وعند قرائها على مدى عقود من صدورها لا تُنسى ، واصبحت جزءا من ذاكرتهم الوطنية ، ومهما تطور علم الفضاء الالكتروني وتفوقت الطاقة البديلة في شحن الاجهزة ، فلا مناص عنها مهما تبدلت الايام والازمان ، فحسب قول الشاعر " وما الحب الا للحبيب الاولي" .