الكورونا غيبت صور مجتمعية سائدة خلف الشمس

كتب ناصر الشريدة

اعاد وباء الكورونا المستجد في زمن حظر التجوال بهذه الايام الصعبة الى ذاكرة جيل الثمانينيات وما قبله من القرن الماضي ، لهفة عدد من صور القرية البسيطة التي كانت اذا اشتكى منها فرد تداعى له افراد المجتمع بالسهر والدعم ، الى ان يشتد عزمه ويتغلب على وجعه ويعود الجميع الى راحة البال .

ويقول الخمسيني الشاعر محمد الدومي ، ان صور حياة المواطنين الاجتماعية والاقتصادية ايام هيبة القرية في الحاكورة وعلى نبعة الميه والريفية حاملة جرة ومحلى عيشة الفلاح ويوم البيادر والحصادين والصيرة والدبكة الشعبية وحِنا العريس .. الخ ، خف بريقها وصار الكلام عنها باستحياء عند عامة اجيال الحداثة هذه الايام ، الى ان جاءت الضربة الوبائية القوية لفايروس الكورونا ، فنكشت العقول واحيت القلوب المرغمة للعودة الى حضن البلدة والبيت ، والتغني بخيراتهما وأمنهما .


ويضيف ، زمن الكورونا ، احيا في المجتمع كثير من السنن والعادات القديمة كسؤال الجار عن جاره ، واحترام الناس لبعضها البعض ، والتزام الكل لبيوتهم ، والاكثار من الذكر وقراءة القرآن  والحرص على التعليم وتحقيق الاكتفاء الذاتي زراعيا وصناعيا ، والعودة الى طقوس الافراح والمآتم البسيطة بدون تكليف .

ويورد مهتمون ، ان نمط الحياة لدى المجتمعات الاردنية تغيرت واختبأت خلف الشمس منذ ثمانينيات القرن الماضي بعد دخول هجرات جديدة الى الاردن ، اثرت في التركيبة الاجتماعية ، وبددت ملامح التكافل الاجتماعي السائد وغيرت العقلية صوب مفهوم جديد ظهر بوضوح مطلع القرن الواحد والعشرين بالتزامن مع عصر العولمة مغزاه " نفسي نفسي" .

ويقول الناشط الاجتماعي سفيان بني ارشيد ، ان صدمة وباء الكورونا اجبرت المجتمعات انطلاقا من الخوف على حياتها الى الهرولة نحو زمن الحاكورة وجرة الميه والجلوس في البيت حول شاشة التلفاز والانغماس بالانترنت وفنونه ، والاستغناء عن ركوب السيارات والاستعاضة عنه بالمشي قدر المستطاع ، وخففت من ازدحام الشوارع بالمركبات وضجيج الاسواق بالمتسوقين والمشاكل بين الناس .

وينقل عاشق الطبيعة في بلدة ديرابي سعيد نضال بني بكر باسلوب المحاكاة مع الربيع الجميل في هذه الايام الحزينة ، تأثر السياحة وتوقف الرحلات جراء الكورونا ، حيث يقول الربيع ، اين احبتي وزواري ، لقد اشتقت لكم ، كاشتياق حبيب لمحبوته التي غيبها الزمن الى غير رجعة ، اما لي نصيب فيكم ، تعالوا الي فنباتي يزينه الازهار ودفء ترابي يصبُ بالشرايين عزيمة واختلاد ، فالى متى ابقى دونكم والكورونا تضرب بابكم ، صبرا لقد ازف الفراق واشتاق القلب لنبض حسكم ودبيب اقدامكم وملاصقة اجسادكم .

ويتذكر الشيخ مروان الخطيب صورة اجتماعية قديمة كانت تدعو لعدم الاختلاط اكثر من اللازوم ، واليوم صار الناس يجددون ذات الصورة بالإفتراق وعدم المصافحة والمخالطة من باب الوقاية من الكورونا ، قائلا سبحان من بيده البداية والنهاية فهل من مدكر قبل فوات الأوان ، ومستشهدا بقول ابن القيم : " لا يُبتَلى الإنسان دوماً ليُعذَّب وإنَّما قد يُبتَلى ليُهذَّب" ! ، في حين كان الناس قبل الكورونا تتسابق صوب الاختلاط والتعارف والتقارب الى درجة المغالاة ، بدوافع انهم بعصر السرعة والعولمة وكسر الحواجز الاجتماعية القديمة .

ولعبت الحكومة الاردنية دورا كبيرا في احياء صورا من حياة القرية الاردنية القديمة ليس من باب تطييب الخواطر ، لكن من اجل مواجهة فيروس الكورونا بتنفيذها سلسلة من الاجراءات الوقائية للحد من انتشاره ، بفرضها حظرا للتجول دفعت الناس نحو التكافل والتآخي وتدبير شؤون حياتهم فيما بينهم بما تجود به انفسهم لتجاوز المحنة القاسية .

ويُصر مواطنون على التأكيد ، ان وباء الكورونا الغضيب فرض على المجتمعات الاردنية العودة الى قوارب النجاة واغلاق كل بلدة ومحافظة على ذاتها لتسلم من المجهول والفتك الفايروسي الكوروني ، فاختلف وجه الزمان الحالي الذي احب وتباهى الناس في يوم من الزمان بعصر العولمة والقفز عن الثوابت والقيم والثقافات والجغرافيا .
  
واشارت اجواء حظر التجول بشقيه الجزئي والشامل الى صور لمعيشة القرية الاردنية ، بعد توقف المنشآت الصغيرة والاعمال الحرة عن العمل وانقطاع مصدر العاملين المادية في البلدات ، وظهور حالة استنفار مجتمعي هم فيه كل فرد بتفقد الاخر والاسرة بتفقد جارتها وتقدم لها ما تجود به من الطيبات رزقا لسد الحد الادنى من معيشتها ، حتى ان البعض تقاسم لقمة الزاد مع جاره ، عملا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، عن عبد الله بن أبي المساور عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏( ‏ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه‏)‏‏ ، واتساقا مع المثل الجار للجار ولو الدهر جار .

ويقول المواطن محمد خريسات ، ان انتشار وباء الكورونا بالعالم كسر جبروت الطغاة والمتجبرين والظلمة وآكلي حقوق الاخرين ، الذين افشوا الفساد بين الناس على اسس مادية ومصلحية ، حتى بلغ الحد عند البعض بتقديمه على علاقته الابوية والاخوية ، وثار على منظومة التراحم والتكافل ، من زاوية حبه للمال والجاه .

ويتساءل المتفاءلون ، هل تعيد حالة ازمة فايروس الكورونا بعد القضاء عليه ، صور لحياة الناس الطيبة والقرية الريفية المتحابة ، ويستعيد منظومة انسانية الانسانية ويُنهي الاستعراض البهلواني البشري الخادع ، ويجمع شمل الاسر التي تشتت وتفسخت ودب الخلاف بينها لهثا وراء ملذات الدنيا التي اغرقت البلاد والعباد في وحل القلق والخوف على مكتسبات الدنيا بغض النظر عن مكتسبات تحصيلها ؟.