التباعد الاجتماعي خربشات يتقبلها الناس على مضض


كتب ناصر الشريدة

حمّل اردنيون "كورونا" الغازي مسؤولية تباعد حبال الوصال بينهم وتقطع السبل بارحامهم المعلقة برب السماء ، بعد ان حول حياتهم الى ظنك مختلف الوانه  .

ويستذكر الاردنيون الايام التي سبقت غزو كورونا لعالم البشر في بلادهم كما العالم ، من حرية وامان في الترحال والمنام ، وصدى انبساطهم يجوب الافاق دون كتمان ، ويجلسون على مواجعهم مسرورين ، وحبهم لملذات الدنيا فوق كل جبار عتيد ، ولا يعنيهم كثرة الضرائب والقوانين ، ويفرون من المرض طمعا في عمر مديد ، وفجأة يظهر الفايروس اللعين .

ويقول الشاب العشريني اشرف بني عيسى ، لم يخطر ببالي يوما ان ابتعد عن اسرتي او لا اشارك عزوتي واصدقائي مناسباتهم مرغما في ذات المحافظة بسبب وباء ، وكنت اذا شد الفراق بيننا ، ان اعيش مغتربا او ان يلتحف التراب جسدي ، لاننا نشأنا في ديار الِف الجميع قعدتها وعذوبتها وغنى الليل وطاب السهر ملقاها .

ويبرر الاردنيون للحكومة اجراءاتها بفرض حظر التجول بفعل وباء ، والتزامهم التام بالتنفيذ والتطبيق وابرزها منع الانتقال على راحتهم دون حسيب او رقيب ، رغم شدة حماسهم لرؤية ارحامهم واحبابهم ، وانها تعمل لمصلحتهم ، لكنهم يقولون ماذا نفعل للقلوب المليانه بالحب والعيون المكحلة بالشوق لاجزاءٍ منها نادى الفؤاد بضمها ، الا تستحق منا نظرة ونحسبها سلام وتمر بامان ، وتذكرنا بايام رعش القلب للاحباب .

وطالب الاردنيون الحكومة برفع الحظر عن مناطقهم سيما من لم يزرها الفايروس الخبيث ولم تسجل اية اصابة ، حتى يتاح لهم بالحد الادني تكحيل عيونهم برؤية احبابهم الساكنين على بُعد عدة كيلومترات منهم ، فألارحام معلقة بالسماء ، ووزيارتها واجبة ، ولو بين فترة واخرى .

واظهرت ازمة كورونا ان الشعب الاردني عاطفي اكثر من اللزوم حسب محللين اجتماعيين ، باشارة ما تتناقله شبكات التواصل الاجتماعي من عبارات وكلمات تختزلها اغنية تبرطم بها شفاههم تقول "يومين والثالث ع فراق الحبابيب" ، وهذا احساس رباني جبل بفسيولوجية الانسان  ، رغم ما كان يعرف عنهم قبل "وباء كورونا" ، ان غضبهم واصل لحد انفوهم .

ويتفهم الناس في هذه الجائحة ان الحد من التواصل والتزاور لوصل الارحام ضرورة مخففة وليست قطعية ، لكنهم يقرون ان هذا لا يعفيهم بالمطلق لعدم زيارة ابائهم وامهاتهم على اقل تقدير ، مستشهدين بالحديث النبوي الشريف "عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الله خلَق الخلْقَ ، حتى إذا فرغ من خلقِه قالتِ الرَّحِمُ : هذا مقامُ العائذ بك من القطيعة ، قال : نعَم ، أمَا تَرضَيْنَ أن أصِل مَن وصلَكِ ، وأقطعَ مَن قطعَكِ؟ قالت: بلى يا ربِّ، قال: فهو لكِ» ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم : «فاقرؤوا إن شِئتُمْ: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} .

ويضيف عدد من الناس ، ان وقف التزاور والتواصل بين افراد الدائرة الواحدة من الاقارب ، بدأ ينطبق عليه المثل القائل " بعيد عن العين بعيد عن القلب" ، وهذا ما صرنا نخشاه ونخاف ان يتجذر اجتماعيا مع استمرار اشهر حظر التجول بشقيه ، وتبلغ العيون والقلوب مرحلة الذبول والسكون بعد ان غابت عنها ومضات الاحساس الكهروبائية الرومانسية .

ويذكر المواطن انس مستريحي ، ان الشعب الاردني لم تفرقه يوما أي تحديات مثل ما ابعدته جسديا الكورونا عن بعضه ، غير كثير من شعوب العالم التي ارغمتهم الحروب والفقر الابتعاد عن اهاليهم وديارهم والنجاة بانفسهم .

وبدأ كثير من الاردنيين يراسلون اهاليهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي ، باسقاط وتسخير امثال واغاني زمان لوصف حالهم لبعض وشدة الحنين الذي اختمر بالقلوب والعيون فوق اللزوم والتحمل ، وهم لا يرون بصيص ضوء في الافق حسب " ام فادي" التي تقول انها تسطر بكل رسالة تبعثها لاهلها واحبابها اقتباس اغنية " اه منك يا طيارة طرت روحي طارة " رغم انها تعيش على مسافة تسعين كيلو متر من مسقط رأسها .

وتشير الدراسات الاجتماعية ان الرجال اقدر على التحمل نفسيا وفسيولوجيا من النساء ، وهذا خفف كثيرا من التشاحن والمشاكل الاسرية بعد ان اصبحت غالبية النساء لا تقوى على الكبت والتحمل اكثر من ذلك ، وامتد هذا الجانب للاطفال ، وخوف اولياء امورهم من ان يصابوا بالتوحد لعدم مخالطة اقرانهم واقاربهم وتغيير نفسياتهم بالتنزة والاستجمام .

ويرى مواطنون ، ان صمت السكوت لم يعد مكان للسكون في ظل جائحة كورونا التي لا يعرف نهايتها بعد ، وعلى الحكومة ان تطلق برامج تعالج بقاءهم في منازلهم لاوقات طويلة وسط ذات الوجوه والاماكن والبيئة .

وتنظر "ام فادي" والشوق ممزوج بالدمع الدافئ يقطر من وجنتيها كزرقاء اليمامه لترى اولادها من وراء الجبال والوديان وعبر الياف شبكات التواصل الاجتماعي ، حتى انها تقول لماذا لا تعمل الاذاعات والتلفزيونات برامج تحت عنوان " وسلامي لكم  " او " وصلي سلام " او " الطير المسافر " ، من باب شدة الحنين ، تفاديا من ان يأتي يوم وتطلق فيها مبادرات " ازهقنا القعدة بالبيت" و " ضربنا الطفر " و " مات الصوت في الاعماق " .

كورونا الفتاكة اوجدت الخوف والقلق من القادم ، وافرزت مصطلح التباعد الاجتماعي بمفهومه الشامل وليس بمعناه المادي بتباعد الاجساد ، وهذا التباعد الاجتماعي ان استمر بذريعة الكورونا ، ستنتهي مجتمعاتنا الى مزيد الامراض الاجتماعية والنفسية ، وعليه لن نكون الا ارقام تتقاذفها رياح التغيير في مقبل الايام .