موائد الرحمن الرمضانية تختطفها كورونا

ناصر الشريدة

غابت موائد الرحمن وصلاة التراويح عن المشاهد والطقوس الدينية اليومية لشهر رمضان الفضيل في هذا العام بفعل جائحة كورونا ، واللتان كانتا تضفيان اجواء عبادة وتكافل وتآخي ، وترسمان صورة نبيلة لا مثيل لها في علاقة وحياة الاردنيين مع بعضهم وربهم .

وكانت وزارة الأوقاف الأردنية قد اغلقت في منتصف أذار الماضي المساجد ، وتوقفت الصلاة بما فيها صلاة الجمعة والتراويح ، وبررت الاغلاق "حفاظا على صحة المصلين وعلى صحة جميع الناس ولحفظ النفس الإنسانية في ظل تفشي وانتشار فيروس كورونا".

وخلت الميادين العامة والساحات والحدائق والقاعات والشوارع في كافة ارجاء الاردن من الموائد الرمضانية بعد فرض حظر التجول ، التي اعتادت جهات رسمية واهلية ومتبرعون على اقامتها لاسر فقيرة وعفيفة وعابري سبيل ، حيث كانت تُنصب الخيم الرمضانية وتوضع الطاولات التي تمتلئ بالمأكولات والشراب تكريما للصائمين .

وحسب وزير الدولة لشؤون الإعلام أمجد العضايلة ، انه في ظل انتشار وباء كورونا المستجد ، لن يكون هناك وجود للمظاهر الرمضانية مثل الخيم الرمضانية وموائد الرحمن ، وحتى السهرات الرمضانية في هذا العام .

ويقول قاضي شرعي سابق الشيخ احمد الجراح ، ان حلول شهر رمضان المبارك تزامن مع انتشار وباء كورونا المستجد ، وهذا انعكس على عدم إقامة موائد الرحمن عملا برأي أهل الاختصاص ، الذين يخشون من انتقال عدوى فايروس كورونا بين المشاركين ، لان درء المفاسد أولى من جلب المنافع ، وفي هذه الحالة يجب ان يُستعاض عنها ببديل آخر لمنفعة الفقراء والمحتاجين وعابري السبيل ، الى ان تزول الغُمة.

وترى مديرة مركز تربية خاصة فائدة ابو جابر ، ان صحة المواطن والوطن في هذه الظروف الاستثنائية اولوية ضرورية ، وان مساعدة الفقراء ليست شرط من خلال موائد الرحمن الرمضانية ، بل تقديم المساعده يتم بطرق عينية او مادية من اجل تلبية حاجة الفقير وكسب رضا رب العالمين .

وتُعتبر موائد الرحمن سُنة وعادة حميدة ظهرت منذ ولادة الدين الاسلامي ، وصارت ظاهرة جميلة تعكس نواحي الكرم والجود والتكافل الاجتماعي بين الناس ، وتضرب نموذجا للتآخي والتكافل والتحاب والمساواة بين طبقات المجتمع ، حيث كانت تقدم للفئة المستهدفة كل أنواع الطعام واللحوم والمشروبات التي لا يستطيعون شرائها في حياتهم لضيق اليد .

وتشعر عضوة اللامركزية في محافظة اربد هاجر درادكة ، بالم وحسرة كبيرة على غياب موائد الرحمن الرمضانية هذا العام ، التي كانت تشكل سد حاجة لرمق المحتاج والفقير وعابر السبيل ،  ولكن ما نراه اليوم في ظل أزمة كورونا المستجد ، فإن كثيرا من العائلات الفقيره التي كانت تنظر لموائد الرحمن كملاذ آمن لطعامها اليومي لم تعد تجدها ، ما جعلها تطرق أبواب الاغنياء والجمعيات والتنمية الاجتماعية مرغمة للحصول على قوت يومها الرمضاني بعد ساعات طويلة من الصيام ، وهذا ادى الى اتساع دائرة الفقر في المجتمعات ، رغم بذل الجهات المعنية محاولات كبيرة للوصول اليهم وتأمينهم بما يلبي احتياجاتهم ، الا انه ما زالت هناك اسر تدمي القلب والوجدان .

وذهب الناشط الاجتماعي ابراهيم المقدادي الى ضرورة تقديم الدعم النقدي للاسر التي كانت تجد من موائد الرحمن مكانا لتناول افطار يومها ، وعدم انتظار ساعة رفع الحظر حتى يقوم الاغنياء باقامة مثل هذه الموائد ، فالظرف لا يتطلب الانتظار بل التنفيذ رحمة بالاطفال والشيوخ والامهات والمرضى الذين لا يجدون من يسكت جوع صيامهم .

وفي ظل ازمة كورونا العالمية ، اختفت ظاهرة موائد الرحمن الرمضانية عن مشهد شهر رمضان الفضيل انسجاما مع اجراءات حكومية لمواجهة الوباء والوقاية منه بمنع التجمهر والتجمعات ، واستبدلتها بمساعدات مالية وعينية ترسل للفقراء في اماكن تواجدهم لسد جزء من حاجتهم وتنعش امالهم بان الخير موجود ما دام هناك خيرين واصحاب همة .

ويؤكد رئيس نادي ديرابي سعيد الشيخ مروان الخطيب ، ان انتشار جائحة كورونا العالمية ، كانت وراء غياب موائد الرحمن الرمضانية في هذا العام ، والتي تعود الفقراء والمحتاجين وعابري السبيل على ارتيادها وتناول طعام افطارهم ، حيث كانت جهات مختلفة تحرص على تنظيم هذه الموائد وتدعمها بقوة في كل مكان ارضاء لله وكسب الثواب ، سيما انها كانت تُدخل السرور والفرح على نفوس ضيوف الرحمن .

ويضيف الشيخ الخطيب ، ان ازمة كورونا العالمية لا تعني حرمان الفقراء والمحتاجين من مال وزكاة الاغنياء ، بل على العكس فرصة مُضاعفة اجرا لكل شخص قادر على حمل موائد الطعام الى منازل الفقراء ، تأكيدا لحديث الرسول "صلى الله عليه وسلم" ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به".

وحسب باحثون ، ان بوادر ظهور موائد الرحمن الرمضانية في الاردن ، بدأت بمنتصف سبعينات القرن الماضي على نطاق محدود ، من خلال حمل الاهالي اطعمتهم ووضعها على شكل موائد في احيائهم ، بحيث يشاركون فقراءهم وعابري السبيل تناول الافطار ، ثم تطورت الى ان بلغت ذروتها في الاعوام الماضية .

ويشير الشيخ انس الرواشدة ، الى ان شهر رمضان في هذا العام غابت عنه معظم العادات وابرزها الولائم "موائد الرحمن" وتبادل الزيارات والاستمتاع بالاجواء الرمضانية المعطرة بالروحانيات ، التي تهم الكبير والصغير والذكر والانثى  ، بسبب الإجراءات الاحترازية والوقائية التي اوجدها انتشار فيروس كورونا المستجد ، حيث اقتصرت الحياة بشكل كبير على التزام المنازل والخروج منها الا للضرورة  القصوى .

ويضيف الرواشدة ، ان شريحة الأسر العفيفة تضررت من بعض الاجراءات الوقائية لمواجهة كورونا ، الا ان المجتمع المسلم في ظل هذه الظروف ، واتباعه لسنة رسول الله لا يعدم الحيله في ان يكون مجتمع متكاتف يشد بعضه بعضها ، فأن غابت موائد الرحمن بسبب هذه الجائحة فأبواب الخير من الزكوات والصدقات موجودة .

وتبين دراسات اجتماعية ، ان ازدياد ظاهرة موائد الرحمن الرمضانية الاردنية قبل انتشار كورونا ، ترجع الى ارتفاع تكاليف المعيشة وازدياد معدلات الفقر وارتفاع نسبة البطالة .

وتقول رئيسة جمعية نساء العزم الخيرية خوله مقابلة ، ان جائحة كورونا العالمية كادت ان تُبعثر كيان عاداتنا وتقاليدنا ، وأصبحت تعيش معنا في كل الظروف وتجبرنا على التأقلم مع الأحوال وتتدخل بتغيير الطقوس المعتادة التي توارثناها عن الاجداد ، ويظهر التأثير جلياً على كافة المناسبات الساّرة منها والضارة ، ولعل موائد الرحمن التي اعتاد عليها مجتمعنا في هذا الشهر الفضيل من البوادر التي وقعت ضحية هذه الجائحة المظلمة ، لدرجة أن آمال الكثيرين من الفقراء والمساكين في مجتمعنا قد تلاشت خاصة بعدما اغُلقت المساجد التي كانت غالباً هي الموطن الحقيقي لعباد الرحمن وأهل الخير في تقديم هذه الموائد ،

وتضيف المقابلة ، لعل توقيف المطاعم عن العمل والتي تُعد الرافد الحقيقي للموائد على حساب أهل الخير كذلك كانت سبباً في منع إقامة هذه الموائد لتكون سبباً رئيساً بتكسير اجنحة الخير التي كانت دارجة على مر السنين السابقة خاصة بعد قرار الحكومة بمنع التجمعات والتجوال بعد السادسة مساءً ، وبالتالي فإن إقامة مثل هذه البوادر الخيرية أصبح معدوماً ونتائجها تكون سلبية على الفقراء والمساكين الذين كانوا يأملون الانتفاع منها خاصة وأن العديد من الأسر تفتقر لأدنى مقومات العيش الكريم ويتعسر عليها تحصيل قوت يومها لقلة الحيلة وتفشي ظاهرتي الفقر والبطالة .


وحسب فقراء ، لم يعد مشهد طاولات الطعام الممتدة قائما في هذه الايام المباركة ، منتظرةً قدوم الصائمين منا والعابرين قبيل أذان المغرب لتقدم الإفطار المجاني لضيوف الرحمن من كل صوب وحدب ، يا له من مشهد حزين .

ويوضح عضو اللامركزية لشيخ حسن الطلافحة ، ان وباء كورونا له الاثر الكبير بتعطيل سنه حسنه هي " موائد الرحمن الرمضانية"  التي الفها الفقراء عبر السنين الماضية ، والتي كانت محج لهم ومتنفس ، خاصة الفقراء الذين كانت تجهل اماكنهم الجمعيات الخيرية والمحسنين بحكم طبيعة الحياء والعفه عندهم ، لكن للضرورة احكام ، وعلى المشرفين والداعمين سابقا لهذه الموائد  ان لا يعدموا اي وسيلة بديلة تؤدي الدور والغاية ولو بالحد الادنى المتاح لهم  بالوصول للفقراء والمحتاجين  في هذه الضروف الاستثنايية .

ودعا رئيس جمعية زياد دواغرة ، للاستعاضة عن موائد الرحمن الرمضانية ، خشية من المخالطة والتجمع بسبب فايروس كورونا ، الى إيصال الطرود الغذائية أو النقد للمحتاجين إلى منازلهم .

ورغم غياب موائد الرحمن الرمضانية عن واجهة المشهد في شهر رمضان الفضيل ، الا ان مبادرات فردية واسرية تبنت الفكرة من جديد ولكن في اطار زمان اول ، بتجهيز وجبات الإفطار وتغليفها وتوزيعها على الاسر الفقيرة والمحتاجة قبل موعد الإفطار حتى يطمأن الصائم ان الخير في الامة موجود مهما قست وضاقت الايام .