صورة إخبارية || الرأي

وما زالت الواسطة تطل برأسها

كتب ناصر الشريدة

يثمن اردنيون جهود الحكومة بمواجهة فيروس "الكورونا الخطير " عبر حملات التوعية والاجراءات الفنية والطبية حرصا على حماية الانسان من كل شر ، ويشددون على ضرورة مواصلة الحكومة من اجراءاتها القانونية والمجتمعية بمحاربة المحسوبية والواسطة ، سيما ان فيروس "كورونا" يفتك بالانسان و"الواسطة" تنسف بكيان المجتمعات .

ويؤكد " محمود العمايرة " ، اليوم او غدا ، سوف تقضي الخدمات الالكترونية الحكومية على نظرية الواسطة الدارجة في اروقة الادارات المحلية وبكافة القطاعات ، ويستعيد كل ذي حق حقه دون تحديات ، وتصبح الواسطة والمحسوبية من الماضي .

وزادت هيئة النزاهه ومكافحة الفساد الى اجراءات الحكومة الالكترونية ، لمواجهة الواسطة والمحسوبية تضمين احكامها القانونية غرامات مالية تفرض على كل شخص يثبت تورطه بالواسطة أو المحسوبية ، بدفع غرامة لا تقل عن خمسماية دينار ولا تزيد على خمسة الاف آلاف دينار ، الى جانب التأكيد على السلطة التنفيذية الالتزام بالشفافية عند وضع السياسات واتخاذ القرارات وضمان حق المواطن في الاطلاع على المعلومات وفقاً للتشريعات .

وتشير المادة (16) من قانون قانون النزاهة ومكافحة الفساد رقم (13) لسنة (2016م) الفقرة (أ) ، يعتبر فساداً لغايات البند (7 و 8) ، قبول موظفي الإدارة العامة للواسطة والمحسوبية التي تلغي حقاً او تحق باطلاً ، واستخدام المعلومات المتاحة بحكم الوظيفة لتحقيق منافع خاصة.

وعرف مختصون ، الواسطة والمحسوبية بانهن إحدى مظاهر الفوضى الاجتماعية التي تنسف بنية المجتمعات المحلية بزرع الكراهيه وضعف الانتماء ، خاصة لطبقة المستعضفين بالارض سواءا بالمعاملات الادارية والوظائف ، وهن طحلوب بيولوجي فتاك يرمز له بفتامين (و) يكون اشد قوة من فيروس "الكورونا" ، لكونهما موروث احتماعي سيء الصيت تناقلته الاجيال عبر الاعوام الماضية ضربت المواطن والوطن بمقتل .

وبقول موظفون فضلوا عدم الاشارة اليهم ، مهما ادخلت الحكومة من تقنيات وخدمات الكترونية معززة بكاميرات مراقبة لن تمنع سريان فيتامين " و " ، لان الموظف يتعامل بعواطفه وليس بعقله  ، وهو بالاصل مقتنع بان الواسطة والمحسوبية وراء وجوده وتسلسله بالوظيفة ، فلا يغضب متنفذا ولا غنيا ، ويضيفون ومن بعدنا الطوفان .

وجرم قانوني هيئة النزاهه ومكافحة الفساد رقم (62) لسنة (2006م) ورقم (13) لسنة (2016م) ، الى جانب فتوى دائرة الافتاء العام بالاردن " الواسطة والمحسوبية " ، الا ان نظرة المجتمع لمن يمارسونها ويتكسبون منهما ، بانهم ابطال لا يشق لهم غبار .

وبات يشعر متعطلين عن العمل بالاسف والحسرة ، حين يوجه لهم سؤالا يطرح عليهم في المقابلات الشخصية والامتحانات النظرية وحتى في العلاقات العامة ، امعك واسطة ، واياك ان اجبت بلا ، نزلت عليك المذلة والمسكنة ، وذهبت الى غياهب الجب حتى يطويك الزمن الى غير رجعة .

وتشير دراسات واستطلاعات رأي عام ، ان نسبة عالية من الاردنيين يتوسطون ويوسطون ويقبلون الواسطة رغم عدم اقتناعهم بها وغير قادرين على تقبلها ، لكنهم اصبحوا يتعاملون بها من منطلق تخوفهم من اخذ الاقوياء لحقوقهم ، وخاصة في الوظائف التي يعلن عنها ، وتُفصل شروط التقدم لها على مقاسات معينة ، حيث ان اهل الريف يؤمنون بالواسطة اكثر من اهل المدينة .

وارجعت قياسات الرأي العام والدراسات المجتمعية ، اسباب تفشي الواسطة رغم محاولات منظومة الحكومة الالكترونية للتغلب عليها ، غياب الوعي الاداري والفساد والعشائرية والجهوية وغياب الديمقراطية ، واختلاف الذوق العام وضعف الايثار والتكافل ، والضعف الديني ، معتبرة ان الواسطة هي شكل من اشكال الفساد المجتمعي الذي يفتك بالمسيرة التنموية والطريقة النهضوية لتقدم الشعوب .

ويعترف احد الموظفين الاكفياء مفضلا عدم ذكر اسمه ، ان الواسطة حاجة ضرورية في زمن بات فيها الحليم حيران ، فمهما كانت كفاءتك وقدرتك وتميزك بالعمل ، لا بد ان تستعين بصديق للضغط على مسؤولك ليحميك من التهميش ويُدير باله عليك ، وعدم حرمانك من المكافآت المالية ان وجدت ، لان المثل بقول " اللي بتابع حقه ما بضيع " .

ويسرد مراقبون مشاهد وحكايات وراءها واسطة ومحسوبية وفساد ، ادت الى ترهل اداري وامتدت الى العلاقات الاجتماعية المجتمعية ، بحيث الغت حقا واقرت باطلا ، ما تسبب في ظهور بوادر اختلاف وانقسام بين افراد المجتمعات وغضب على الواقع المعاش ، وفي أي لحظة يمكن ان ينقلب السحر على الساحر ويلجأ كل ذي حق لتحصيل حقه بيده ، وهنا تكمن الخطورة .

وشاعت في هذه الايام الامثال والاشعار التي تتصل بالواسطة والمحسوبية ، كما يقول محمد شفيق الذي يراها كلها تصب في خانة تفكيك المجتمع وتفاقم الظلم والظالمين ، مستغربا من تباهى البعض بهذه الامثال مثل يا بخت من كان المسؤول خاله " و" لو كان دماغها بيوجعها صيت ابوها ينفعها " و " من طلب العلا دبر واسطة " و " من مثلك يا ابن عمي اتروح والطبق فاضي وترجع والطبق مملي .

وينادي تربويون بضرورة قيام الحكومة بحملات توعية دائمة لمواجهة ظاهرتي الواسطة والمحسوبية بالمدارس والجامعات وعلى المنابر ، وتحفيز المواطنين على تبني شعار الالتزام بمنظومة الحكومة الالكترونية وعدم الحياد عن اتباعها والعمل في اطارها لانها سوف تكون الحل المناسب بالتزامن مع سيادة القانون .

ان الفرصة الساحنة اليوم امام افراد المجتمعات الاردنية بمحاربة ظاهرتي الواسطة والمحسوبية ، يكون من خلال المطالبة بتعميق مفهوم الحكومة الالكترونية وقوة تنفيذ القانون واحترام الدستور ، بحيث يكون الجميع على مسافة واحدة من هذه المنصات .