الحاجة ام الاختراع


كتب ناصر الشريدة


يطبق الاردنيون في ظل حظر التجول الشامل والجزئي المعمول به في كافة ارجاء البلاد المثل الذي يقول " الحاجة ام الاختراع " و" ما يحك جلدك غير ظفرك " ، ولم تعد اسرة معتكفة بين جدران منزلها واسوار حديقتها ، وخطر ببالها فكرة ما الا استنهضت همتها ونفذتها من اجل الوقاية من فايروس الكورونا .


ويؤكد الشاب هاشم العمري ، ان الشعب الاردني فعلا جبار وصبور وذات الوقت معطاء  وقادر على التغيير في شؤون حياته بما يحقق اكتفاءا له في اوقات المحن والمصائب رغم ضيق اليد للسواد الاعظم منه ، وقد اثبتت ايام الحظر الحالية بفعل انتشار وباء الكورونا ، انه اهل للمواقف والاحداث ، ينحت في الصخر فيستخرج ماءا ويزرع بالماء وينتج نباتا زاهيا لذيذا ، وبصنع من الحديد فينتج صاجا ومن الطين فينتج فرن طابون ، ويحطب الشجر فينتج اثاثا ونارا ، لله درك من شعب لا تهزه العواصف والرياح .


ووسط اوامر الدفاع الستة التي اقرتها الحكومة لمواجهة انتشار وباء كورونا المستجد في البلاد ، تحملت كل اسرة اردنية مسؤولية ادارة شؤون حياتها الغذائية والوقائية التي سادت المشهد الحالي ، سيما في المدن والارياف والبوادي ، فاستغل المواطنين كل ما هو متاح لديهم وما هو من موروثات زمان الغذائية ، بتأمين غذائهم اليومي الذي يسد الرمق ، ما يبرهن انهم قادرون على التكيف والتعامل مع تداعيات المرحلة دون ضجيج عال ، خلاف ما كان يتردد عند البعض .


وتؤكد الثلاثينية "ام لؤي " من لواء الطيبة ، ان حظر التجول الساري حاليا في الاردن ، غير كثيرا من نظرتها للحياة واولويات شؤون اسرتها ، حيث استثمرت طاقتها وجهدها في استغلال حديقة منزلها بزراعتها لبعض الخضروات والنباتات العطرية ، الى جانب ممارستها رياضة المشي داخل وخارج منزلها بمعدل لا يقل عن ثلاثة كيلومترا يوميا بعد ان كانت تهدر الوقت في الجلسات والاحاديث الجانبية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي ، وزيادة على ذلك اعطاءها وقتا اوسع لابنائها في التعليم والتدريب .
وتضيف " ام لؤي " ان ازمة كورونا سوف تخلق فينا جيلا من الشباب والشابات بذهنية وعقلية مستنيرة عكس ما تربينا عليه في طفولتنا ، لان الازمات تصنع الانسان ، فلم يكن يخطر ببالنا يوما ما ان نواجه مثل هذه الاحداث ، وكنا نتعامل مع الاشياء على انها متاحة ولا داعي للتعب  ، لكن الكورونا قلبت كل ذلك وجعلتنا نعمل من اجل بناء جيل يواجه الازمات وينتصر عليها دون خوف .


وتقول السبعينية " ام حسين " من بلدة ديرابي سعيد بلواء الكورة في شمال الاردن ، ان حظر التجول ، لم يغير من قناعتها يوما بتوفير مونة اسرتها من القمح ومواد تموينية اساسية ، فقد كانت كل اسرة تمون حاجتها ولا تخرج للتسوق الا للضرورة خلاف سيدات اليوم ، مستشهدة بامثال كانت ترددها باستمرار" خبي قرشك الابيض لليوم الاسود " و " الغرض اللي ما ينفعني في حياتي ما يضرني بعد مماتي " ، لتفادي مثل هذه الاحوال الطارئة .


وتضيف " ام حسين " ان النساء الاردنيات قادرات في هذه الايام العصيبة على ادارة بيوتهن بحكمة دون مشاكل ، كما كنا زمان اول في ظل قلة المال وغياب وسائل النقل والاسواق الكبيرة ، حيث كنا نوفر كل مستلزمات حياتنا لعام وعامين خوفا من ايام القحط والامراض والحروب ، والان نراهن على بناتنا بتجاوز المحنة وتأمين بيوتهن بالحد الادني من المونة وانتاج الخبز ، لنجدد قوة المثل " الحاجة ام الاختراع " و " للي يشتغل بايده ربنا يساعده ويزيده " و " اللي ياكل على ضرسه ينفع نفسه " .


وفي ظل استمرار حظر التجول بشقيه الجزئي والشامل ، يواصل الكثير من الاردنيين طرح مبادرات خلاقة في تأمين بلداتهم واحيائهم وجيرانهم واسرهم بمستلزمات الغذاء الاساسية ، حتى ارتفعت دعوات تنادي بضرورة استثمار الارض والتوجه نحو المشاريع الصغيرة "الزراعية والصناعية "، سيما ان وباء الكورونا لا زال يُلقي بظلال سوداوية على المجتمعات في قادم الايام تخوفا من ارتدادته الغير متوقعة عليهم .




ويقول مواطنون ان استمرار حظر التجول رغم قسوته على البشر وتقييد حركتهم ، الا انه فرصة لابراز مواهبهم وقدراتهم على الابداع والتميز والتكيف مع الواقع المعاش ، وتنشيط ارث الماضي القديم الذي يعود الى الواجهة مع كل حدث ومحنة .