*يوميّات خائف كورونا (25)*


*كامل النصيرات*

 اختفى الفتّاش؛ واختفت الألعاب الناريّة.. وأختفى معهما صوت الأولاد في الحارة؛ اختفت صيحاتهم وضحكاتهم وضجيج أقدامهم وطجيج فطابلهم..! كنّا نترجاهم كلّ رمضان أن يخفضوا أصواتهم وألاّ يفرقعوا قريباً منّا؛ أن يذهبوا بعيداً قليلاً. الآن لا شيء من هذا..! معقول أن الانسان يشتاق أيضاً لما كان يؤذيه أو كان يشتكي منه..؟. لا أعرف؛ أشعر بغربة حتى عن الكتابة. لأوّل مرّة منذ بدأت بكتابة روايتي (سماء القلب الثامنة) أتوقف عن الكتابة فيها ليومين متتاليين. تجتاحني رغبة عارمة للبكاء المتواصل. أنا الطفل الذي كان يجوب الشوارع كلّها في كلّ رمضان. أنا الطفل الذي كان يكبر رويداً رويداً وهو يجعل من عينيه لواقط لكلّ شيء يراه وكان فضوله يقوده للمخبوء الذي لا يراه الآخرون بسهوله؛ تختفي التفاصيل كلّها الآن من أمامه. لأن لواقطه لا تقع إلا على الفراغ!. أغلب التلفونات لم أردّ عليها ؛ خصوصاً تلك التي أعرف مسبقاً أنها تحمل الشجن والذكرى والتي من الممكن أن تجعل صوتي يتهدّج في لحظة؛ أو تحيلني إلى ضعيفٍ لا يمسك نفسه عن البكاء الذي لا يُفهم معه الكلام!. كل المباركات والتهاني لم أرد على واحدة منها؛ لم أشعر بلذة فيها !. ومع ذلك؛ ما زال إحساسي بالأمل عالياً. وأن هذه الشوارع ستعود أجمل من الأول. وسأسمع صوت أطفال الحارات من جديد. وسنذهب إليهم ونرجوهم أن يخفّفوا من الفرقعات والفتاش ومن الضجيج أو أن يلعبوا أبعد قليلاً.. قريباً ستعود الحياة إلى الحياة ...